علي الأحمدي الميانجي
46
شرح دعاء أبي حمزة الثمالي
الحَمدُ للَّهِ الَّذي لا أدعو « 1 » غَيرَهُ « 20 » ولَو دَعَوتُ غَيرَهُ لَم يَستَجِب لي دُعائي « 21 » أي أحمد اللَّه تعالى ألّا أدعو غيره ، إذ ذلك إفضال منه عزّ شأنه ؛ لأنّ دعاءنا إيّاه متفرّع على معرفته تعالى ، وأنّه لا ملجأ سواه ولا مفزع دونه ، وأنّ غيره محتاجون وفقراء إليه ، ومعرفة أنّه مخلوق محتاج فقير لا يملك شيئاً ، ومعرفة أنّ طلب المحتاج إلى المحتاج سفه من رأيه وزلّة من عقله ، وليس كلّ ذلك إلّابهدايته ولطفه سبحانه ، فدعاؤنا إيّاه تعالى دون غيره نعمة منه وتفضّل يستلزم حمداً . ولعمري ، إنّ معرفة اللَّه سبحانه ومعرفة ألّا ملجأ دونه ولا مفزع سواه ، والانقطاع إليه كمال الانقطاع ، نعمة منه تعالى ، بل من أعظمها وأعلاها كما في الشعبانيّة : « إلهي ، هب لي كمال الانقطاع إليك ، وأنر أبصار قلوبنا بضياء نظرها إليك » ، « 2 » مع أنّه لو دعا غيره لم يستجب دعاءه ، سواء كان غيره من الأوثان والأصنام ، أم إنسان آخر . فيحمد اللَّه سبحانه على أن عرّفه نفسه وأعطاه الانقطاع إليه وأعطاه حاجته بذلك ، وأنجحه في حصول مطلوبه ، وأعزّه من ذلّ الرجوع إلى غيره ؛ وذلك لأنّ الإنسان حسب طبعه وأُنسه بالأسباب المادّية والعلل والعوامل الظاهريّة ، تحصل له الغفلة عن الحقّ سبحانه ، ويتّكل على الأسباب وينقطع إليها ، ولا يتنبّه عن غفلته ولا يفيق عن سنته ، ولا يرجع إلى كهفه ومعتمده ، ولا يلتفت إلى ما هو فيه من الغفلة والجهل إلّا بتوفيق من اللَّه تعالى بقطع الأسباب المادّية ، ويأُنسه عمّا أنس به ، أو بهداية خاصّة معنوية ، كما في الدعاء : « اللّهمّ ولي إليك حاجة قد قصر عنها جهدي ، وتقطّعت دونها حيلي ، وسوّلت لي نفسي رفعها إلى من يرفع حوائجه إليك ، ولا يستغني في طلباته عنك ، وهي زلّة من زلل الخاطئين ، وعثرة من عثرات المذنبين ، ثمّ انتبهت بتذكيرك لي من غفلتي ، ونهضت
--> ( 1 ) . في الإقبال والمصباح للكفعمي والبلد الأمين : « أدعوه ولا أدعو غيره » . ( 2 ) . الإقبال : ج 3 ص 299 ، بحار الأنوار : ج 91 ص 99 .